Thursday, Nov 21st, 2019 - 00:02:10

Article

Primary tabs

الجمال مقرونا بالجرأة المنضبطة ... في "عقلنة الجنون" للدكتور كامل الدليمي: (جيهانة سبيتي في كتابها "بانتظارك" هي الخطوة الأولى في مجال تحديث الشعر النسوي العربي...)

بانتظارك بين
رشاقة التركيب وغزارة المعنى (لبنان)
بانتظارك مجموعة شعرية أصدرتها دار الفارابي في بيروت للشاعرة اللبنانية جيهانه سبيتي تصفحناها فكانت لنا وقفة معها:
إن من أنجع الوسائل التعبيرية اللغوية (فن الشعر) فهو يخاطب الإحساس ويغور في أعماق النفس البشرية متوخيا التنقيب عن الجمال ، ومعبرا عن وجع الإنسان ومعاناته بأجمل الصور ، والشعر مفتاح لمغاليق يعجز عامة الناس التعبير عنها فيصيبها الشاعر من خلال المفردة الجميلة ، والجملة الرشيقة .
وللمرأة الشاعرة في عصرنا إسهاماتها في التخفيف عن كاهل الإنسان بعيدا عن الجنس فبمقدور المرأة في عصرنا التعبير عن بواطن الرجل وإرهاصاته مثلما هي قادرة تماما التعبير عن ذاتها في ظل تعقيد أساليب الحياة والتداخل الكبير الناجم عن التطور التكنلوجي الهائل خصوصا في عوالمنا الشرقية التي ارتبكت فيها الثوابت وبالوقت ذاته مازالت تشهد سيادة الرجل وذكورية المجتمع.
وربما الحديث عن الشعر النسوي أو الكتابة النسائية سيدخلنا في إشكاليات كبيرة مازالت موضع جدل ، ثم سيبعث أسئلة كثيرة وملحة بحاجة لإجابات شافية وفق رؤية مستنيرة فهل أن الشعر النسوي يحمل سمات الأنوثة وبم يختلف عن الذكوري ؟ وما شكل إحساس الأنثى بمعنى هل للجنسانية دور في الأداء الشعري ، والحقيقة هناك أدب نسوي بكل فروع الأدب وهذا من الأمور المختلف عليها ، لكن الحقيقة التي أسلم لها أن الجنسانية تلعب دورا كبيرا في كم ونوع المنتج الأدبي خصوصا في مجتمعاتنا العربية التي لا ترحب كثيرا إلى الآن بما تنجه المرأة سوى أمثلة قليلة مثل " وثمة سؤال ملح هو هل الشعر النسوي قادر على إثارة الرجل باعتبار خصوصية الأنثى ؟
الحقيقة أن المرأة صودرت شعرا منذ زمن بعيد وحين نقول " الشعر النسوي " مثلما نقول "ملابس نسائية" حيث خصوصيتها تأتي من كونها إما مصممة لإبراز مفاتن المرأة أو لحجب هذه المفاتن، أو شاهرة ألوانها الصارخة التماساً للخصوبة وتماهياً مع الطبيعة، وهذه الخصوصيات التي تبدو في ظاهرها سطحية يُمكن التقاط ظلالها في الحالة الإبداعية وبالتالي يجدرطرح سؤال: هل ثمّة خصوصية أنثوية في الشعر، وهل يُمكن حقاً تلمّس هذه الخصوصية؟ وهل بمقدورنا تحديد جنس المُبدع دون أن نكتب اسمه على النص وفوق كل ذلك هل بإمكاننا أن نُحدّد مفهوماً أصيلاً للذكورة والأنوثة في النفس البشرية لحظة عريها الحقيقي وأحلامها الشاردة.
إن كل هذه الأسئلة كفيلة بأن تُفجّر المضامين والجماليات الأنثوية في أي عملٍ إبداعي، ومن ثمّ ستُعطي مبرراً موضوعياً يتعلّق ببنية النص الجمالية واللغوية وليس فقط مبرراً جنسانياً لهذه المقولة.
ونحن إمام نصوص شاعرة واعية تماما ومدركة " لعبة اللغة" و " وتوظيف المخيال الشعري" و " انتقاد نصوصها وفحصها بحرص قبل شيوعها لذا جاء نصها بمنتهى النضوج من حيث الفكرة واللغة، ليس ذلك زعما منافقا كما يفعل بعض الكثيرين في وجهات النظر بل هو حقيقة تؤيدها النصوص التي نستعرضها في اللاحق من الصفحات مع الأخذ بنظر الاعتبار أن مسالة التذوق الشعري مختلفة باختلاف البشر وما نجده جميلا قد لايمثل ذات القيمة عند آخر والحقيقة أن المخيلة ركيزة أساسية في الخطاب الشعري ولا شك ان الشاعرة " جيهانة سبيتي " استطاعت التحليق بنا في عوالمها المختلفة بمخيلة خصبة متجددة مبتعدة عن المباشرة والتقريرية في مجموعتها الصادرة عن دار " الفارابي " وهي من الدور التي تتفحص ما تطبع وحسنا تفعل ، فضلا عن أن استعراض بعض نصوص المجموعة وعرضها على موازين الشعرية الحديثة يؤيد زعمنا تقول الشاعرة:
(مترردٌ، تائه، أضناك الرحيل، تمر حقائبك الملأى بحكايات رثة، حين يستوقفك سائل ، تومئ إليه أن ابتعد أعط الملل المنهك منك فرصة وتعال أخبرك حكايتي) ص13.
يشير المقطع إلى حالة النكوص التي تعتري العلاقات الإنسانية اليوم ، وصعوبة الحياة وتسارع وقعها والترحال الدائم للإنسان بحثا عن السعادة المفقودة في المكان أو المال أو حتى الناس ، وقد تصرفت الشاعرة بذكاء حين استخدمت الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار باعتبار أن المعاناة رافقت الإنسان منذ الأزل وستبقى ، وتلك التفاتة ذكية تنم عن وعي بمستويات وأثر المفردة العربية وتأويلها.
والشعر منذ كينونته، يمثل تجربة إنسانية بصرف النظر عن الجنسانية ، والتجربة في الشعر، هي سياحة في الفضاءات المقاسة باللغة والتخييل. والشعر هو استبطان لما يُمكن من اللاممكن. بمعنى انفلات وشرود عن الواقع إلى الماوراء. وفي النهاية الشعر مهرب الشاعر ينتهي بالتخيل وإجادة فنون اللغة.
وهذا الهروب جسدته " الشاعرة " بأبهى صورة وأصدق لفظ معبرة عن التشتت والضياع في ظل صخب الحياة ،ثم أن سر نجاح النص الشعري هو استخدام فنون اللغة من" الاستعارات والكنايات والتشبيهات وغيرها إمكانات ذاتية تشكل المعيار بين شاعر وآخر ولنتابع قول الشاعرة :
فوق صخور جزيرته/ حطت قوافلي/ شيدت قصوري / غاب عن بالي أن الماء مالح/ سهوت عن أن الصخور تتآكل/ نسيت أن الجزر يرتادها السياح / زرقة الماء سحرتني/ هدوء سطح البحر أغراني"ص24.
قلنا أن الشعر تجربة إنسانية تحتمل الصواب مثلما تحتمل الخطأ ، وليس بمقدور الإنسان أن يسجل النجاحات مالم يحسن التحكم بمشاعره مستندة إلى العقل والنظرة العميقة للمستقبل برؤية ثاقبة ، والفشل في بعض التجارب الحياتية لا يعني النهاية مطلقا ، ولكن يورث في نفس الإنسان الشعور بالخيبة والخسران الأمر الذي يدفعه لجلد ذاته ، ودلالات النص تشير لذلك بوضوح فـ " ملوحة الماء ، تآكل الصخور، صخب وضجة السياح" هي جمل تعبيرية عن حالة الفشل وبذات الوقت تفسيرات منطقية للخطأ فـ " زرقة الماء، هدوء البحر " هي المؤولات التي أعطت تلك النتائج التي قد تتوافق مع رؤية الشاعرة أو تختلف فلا يعني الشاعر قول الناقد مهما كان وهو يشرع بتدوين نصه .
وهنا يمكن القول " ليس الشعر سوى ذاك الكيف الملبد بالسؤال الأنطولوجي، من دون التكيّف مع جوابه/أجوبته، نكاية بالعرضي والوقتي الفاني،ومتتبع نصوص الشاعرة جيهانه سبيتي يدهش بمخيلة واسعة ولفظ أنيق ، وأسئلة لا تنتهي وعليه إذا ما اجتمع حسن اللفظ مع التخيل تكاملت الصور الشعرية وشكلت لوحة مكتنزة بالجمال تاركة الاجابة عن تلك الاستفهامات للمتلقي بحيث يصبح جزءا لا يتجزأ من تكامل العملية الشعرية.
ولا تتوقف الشاعرة جيهانة عن الصراخ بوجه الذكورة أحيانا وبالحياة ومعرقلاتها في أحيان أخرى ولنتابع ماتقول عن أنوثتها :
" مابكِ أنوثتي/ غارقة في صمتك/ محدقة الى السراب/ ترمقينه حاقدة/ تلملمين غبار نسياني وتنهرين" ص42
إن الشعر النسوي يتميز بعفويته وملامسته للواقع المعاش، إذ تعمل المرأة على التحرر في الكتابة الشعرية والبحث عن ذاتها المنسية، أو العالقة في ذكريات الماضي وتقلبات الحاضر، حيث تفتقد المرأة إلى الإحساس بالوجود في ظل هيمنة الرجل وشبه انغلاق المجتمع على أحاسيسها. فالشاعرات عموما يحاولن إخراج كل الأحاسيس المتجذرة في أعماقهن. ومن ثمة فإن عدم القدرة على التعبير علنا، يدفعهن إلى استعمال الشعر كوسيلة؛ سواء للاعتراف أو الشكوى أو محاولة تقاسم الألم مع الآخرين. فالكتابة الشعرية ليست فقط إبداعا أدبيا، وإنما تعبير وجودي عن وجود المرأة. لذلك ليس غريبا أن نجد " جيهانة " الشاعرة وحدها التي تريد التعبير عن الذاتية وتحقيقها ، كطريقة للبوح والتخلص من المعاناة المستمرة، التي تعانيها لمرأة في ظل مجتمع ذكوري منغلق ينظر للمرأة كجسد خلق لمتعة الرجل وحسب.
والنص المليء بالأسئلة يشير إلى أن الشاعرة تلقت من الحياة أفاويق القسوة مثل كل الناس ، فانحازت للشعر معبرة عن القسوة والمعاناة التي تعلمت من خلالها الدروس الحياتية والتي أسهمت في إنضاج مواهبها المتعددة وعززت من قوة وتأثير مفردتها الشعرية .
والحقيقة أن الشاعرة في معظم نصوصها عبرت عن الهم الذاتي منطلقة من الذات للآخر عبر سمفونية شعرية تشكل نقطة ضوء في فضاء التردي الشعري الذي يعتري (الشعر النسوي) خصوصا في وطننا العربي والذي انحسر من خلاله اسهامة المرأة الشاعرة في غرضي الرثاء والمديح بناءا على السائد من الأعراف المختلفة التي تمنع المرأة من (حرية التعبير عن مشاعرها دون رقابة الأب والابن والأخ ومنظومة الأقارب فهل التزمت الشاعرة بهذه القيود أم تخطتها بشجاعة وكبرياء دون التفكير بما يقول الآخرون تقول :
باحثة عن ذاتي / خلعت ثياب الرقيق/ رحت أجول في رحاب عينيك/ ارقص تحت انهمار نظراتك/ أجابه لهفتك المجنونة على وسائدي/ رميت سني مزقت ثوب الخجل " ص37.
الشاعرة "جيهانة سبيتي" وفق تصوري الشخصي :هي المرأة السلسة القوية الناعمة والحازمة والطيبة ، وليست الساذجة وهي لا تسمح لأحد أن يلعب بمشاعرها أو يستغلها لأنها تعرف ماذا تريد، والمعنى أنها واضحة وصريحة،وهذه السمة منحت نصوصها القوة المستندة للثقة بالنفس والجرأة والحزم المنبثقين عن قوة الشخصية وتوازنها والنص يعبر عن تلك السجايا اصدق تعبير " خلعت ثياب الرقيق" تمرد على الواقع وهو مستحق وفي مكانه فالمرأة إذا كانت قوية تحررت بإرادتها وليس بتأثيراللآخر، "أجول في رحاب عينيك" هو التجوال المحكوم بالإرادة أيضا /" مزقت ثوب الخجل" التفلت من ربقة الخجل إراديا أيضا .
ضجت نصوص (جيهانه) الشاعرة الناضجة بالانزياحات المعبرة عن خزين لفظي كبير وحجم مكتنز ، ورؤية تعبيرية فلسفية في الكثير من المواضع ، فضلا عن إمكانية في التوظيف اللفظي الذي يعد الركن المتين الذي تتشكل منه النصوص الشعرية الأمر الذي يحيلنا لجهدها الكبير ودقتها في انتقاء المناسب من الألفاظ فهي اشتغلت " ناقدة " أولى لنصوصها كما أسلفنا فأصرت على تنقيتها وفق معيارية نقدية متقدمة تقول :
أمارس طقوسا مجهولة/ أخرج من جسدي وارتفع/ أنظر إليّ في الأسفل/ أغمض عيني وأتأمل/ أراني جثة محمولة / أمشي بصمت مع الجمع" ص49.
ليس من السهولة اختراق العوالم المفروضة علينا ووصفها بهذه الدقة والإيجاز ، فالمعنى التأويلي ينفتح على عدد من التأويلات الناقدة للواقع والناقمة عليه والمفروض عليها قسرا مع وجوب التعايش معه لاستمرارية الحياة " طقوسا مجهولة " نقد اجتماعي وربما ديني فما تلك الطقوس التي رمزت لها الشاعرة بالمجهولية ؟ وتوغل الشاعرة في جدليات اجتماعية فرضت
على المرأة وتسببت في تخلفها وهي النظرة القاصرة لقدراتها الفكرية والتعامل معها كقطعة حلوى يقضمها الرجل وقت يشاء ، " أراني جثة محمولة" وهذا التداعي الكبير هو من واقعنا العربي وليس من كوكب آخر " تشيع المرأة لبيت زوجها فيحجر عليها ويمتلكها مع موجودات المنزل الاخرى ثم يشيعها لمثواها الأخير بعد أن يمتص عصارة عمرها " هل في الأمر مبالغة اذا اطلعنا على المسكوت عنه في مجتمعاتنا التي مازالت تعد الانثى عورة حتى في صوتها !!!
ثم ان هناك في ثنايا هذا المقطع نقمة على الموروث من الحكايات الرثة التي سلم لها الإنسان معتبرا التعامل مع المرأة لابد أن يكون بحدود اللذة التي تحققها له والخدمة التي تقوم بها باعتبارها ملكا من أملاكه .
جيهان سبيتي ومواضع الجرأة :
شعر الغزل ليس وقفاً على الرجل هذا ما حاولت الشاعرة اظهاره وان تمضي قدماً في وضع قدم ثبات في الشعر الحديث، لأن المشاعر البشرية لم تكن حكراً على الذكورة دون الأنوثة ، لكن منظومة القيم الدينية،والسياسية ، والاجتماعية تمثل البرزخ الفاصل بين الغريب والمألوف مما جعل النظر يتعاقد على أن الخروج من هذا النسق الديني أو الاجتماعي إنمّا هو جرأة من الشواعر دون أن يُعد ذلك خروجاً عن المألوف إن صدر من مشاعر ذكورية تتعاطى مع الغزل بأنماطه المعروفة . لكن الشاعرة اللبنانية جيهانه خلقت لنفسها طقوساً ساعدتها فيها مجموعة المؤثرات الخاصة بالبيئة اللبنانية المنفتحة بعض الشيء وتركيب المجتمع فيها0ومثل هذا قد لا يكون متاحا لشواعر أخر في بيئات الشعر العربي المختلفة 0 فصار الإعلان عن مشاعر الشاعرة اللبنانية طقساً خاصاً، والتعبير عن هذه المشاعر تعبيراً شعرياً طقساً آخرَ ومخالطة الرجال في مطارحات الشعر يضاف إلى طقوسها الأخرى ، والتغني بجمالها ومميزات الجسد حقيقة أخرى تمتاز بها0 وهنا يجب أن نتوقف للإشارة لبعض الجمل الشعرية التي تمثل جانبا كبيرا من الجرأة والتخطي المدروس للأعراف المعرقلة تقول جيهانه :
" ألم يحن قطافي / ألم أحظى بإعجابك" ص72. هي دعوة لالفات نظر الرجل وهو نوع من أنواع الجرأة ، " توثق اللجام حول عنقي/ تهدم جميع أسيجتي " ص63. كذلك يمثل هذا المقطع عبورا آمنا للضفة المغايرة لم نعتد أن توجه الدعوة للرجل من المرأة ، " أنت شهوة عاشق في الليالي الملاح " ص60.
على أن هذه الأمثلة منها الكثير في ثنايا المجموعة والتي تبشر بقامة شعرية ستكون لها بصمة واضحة في مسيرة الشعرية اللبنانية النسوية ليس من باب المبالغة بل في تحري المضامين الشعرية التي تتكامل كلما توغلنا في السياقات المعنوية للجمل الشعرية مع الحفاظ على وحدة الموضوع وفي بعض الأحيان الوقوف وراء بعض الجمل المعبرة عن غنى التجربة.
جيهانة وحرية الجسد:
الجسد المتحرر هو ذلك الوعي بالمحيط أعني تلك المرأة القادرة على المواجهة والتصدّي والمقاومة لكل آليات الإغتراب سواء كانت تلك الأدوات منتمية إلى الأصالة أو إلى الحداثة. إنّه جسد يسعى أن يتحرّر من قيود الهيمنة الرّجوليّة بسعيه إلى نوع من الاستقلاليّة والسّيادة، مع الاخذ بنظر الاعتبار المدركات الحسية والتي قد تؤثر أحيانا على مواطن القوة عند المرأة .
إنّ المتمعّن في خطابات التّقليد أو خطابات الحداثة الاستهلاكية يخلص عبر مفارقة عجيبة إلى نفس الرؤية التي تختزل المرأة بحدود الجسد- الجنس أو الجسد البضاعة. فلا فرق بين حداثة استهلاكية تعرّي هذا الجسد وتُزيّنه وتعرضه للبيع وبين تقاليد تغطّيه وتقصيه وتغيّبه لأنّه عورة يجب أن تُستر وعرض يجب أن يُصان وفتنة يجب أن تُقهر. إنّ جسد المرأة لا يتحرّر فقط بالعمل أي بالمشاركة الفاعلة في الشّأن العام وفي السّياسة أي في تسيير الحيّ وإنّما كذلك بالقدرة على تحويل هذا الجسد الذي وقع بناؤه من القوى الاجتماعيّة الفاعلة إلى شيء يمكن أن يخضع في أهمّ تحرّكاته إن لم نقل أغلبها إلى إرادة من يحمله ويسكن فيه ، وهذا ما جسدته الشاعرة بوعي فائق وذكاء معبر عن قوة الارادة .
. تقول جين هينفرارد : "هذا الجسد الّذي هو جسدي هو ليس بجسدي وهو في الواقع جسدي. هذا الجسد الغريب، إنّه وطني الوحيد، إنّه منزلي وبيتي ومقامي. هذا الجسد، عليّ أن أقوم بغزوه من جديد لإخضاعه لإرادتي والسّيطرة عليه". ولا تعني السّيطرة هنا في أيّ حال من الأحوال سيطرة كاملة ونهائية على الجسد وإنّما هي سيطرة نسبيّة ودائما قابلة للتثبّت والمراجعة حتّى وإن كانت المتحدّثة عن هذه الاستقلاليّة من أكبر الباحثات في أنثروبولوجيّة الجسد أمثال كدي بوفوار، وقد أشارت الشاعرة في مواضع عديدة عن الحرية الجسدية المقترنة بالوعي التام مع الحفاظ على الحدود التي لا يمكن تخطيها لما يصطلح عليه " بالابتذال الجسدي" وهذه الرؤية المتقدمة في النظر الى الجسد تعبر عن تجربة حياتية غنية .
تقول الشاعرة :
منذ أعوام طويلة تسير على قدميها ، نعلها ما زال صالحا ، اخفت لمعانه غبرة التراب، وصلت الى معبدها المقصود تيممت وجلست تصلي، ص32.
ان الترابط بين الدال والمدلول في الشعر لا يمكن الفصل بينهما الأمر الذي يعكس جمالية اللفظ بناءا على تلك الآصرة وبينهما وفي المقطع أعلاه يتبين تلك الجمالية من خلال ارتباط الدال - بالمدلول :
(القدم ودالة السير) و(اللمعان – غبرة التراب) (التيمم – الصلاة)
وهذا ما أشار إليه الجاحظ في" الأسلوبية وثلاثية الدوائر البلاغية " مشيرا إلى ان العلاقة بين الصفات التي اختص بها اللفظ والصفات التي اختص بها المعنى قدر إبراز كل منهما في جمال التعبير.
أما المستوى السردي فقد يحتمل النص الشعري سردية متناغمة تحافظ على خصوصية الشعر وتطرح في ثنايا النص (سردية) تدعو للتأمل منذ العتبة الأولى للنص حيث نجد الشاعرة جيهانة تقول :
يهدأ الليل / يعود السكون/ ما بال القمر / تلفه ثورات الجنون ينطوي على نفسه / يحضر لحفلة تنكرية. ص34
المعنى الاصطلاحي للسرد هو "هو قصُّ حادثة واحدة أو أكثر، خيالية أو حقيقية"كما اشار لذلك "جيرار جينيت" وهذا يعني أن "السَّرْدَ لا يوجد إلاَّ بواسطة الحكاية، كما أنه عرض لتسلسل الأحداث أو الأفعال في النص" كما يشير لذلك مصطفى الرافعي.وهو يعني وجود عنصرين رئيسين في النَّص: الأول: الراوي (السارد)، والثاني: الحدث (الفعل).
أما ما جاء في لسان العرب عن السرد هو "تَقْدِمَةُ شيء إِلى شيء تأْتي به متَّسقًا بعضُه في أَثر بعض متتابعًا، ويقال: سَرَد الحديث ونحوه، يَسْرُدُه سَرْدًا: إذا تابعه، وفلان يَسْرُد الحديث سردًا: إذا كان جيد السياق له.
أما في الشعر فعلى الشاعر إذا اضطر إلى اقتصاص خبر في شعر، دبَّرَه تدبيرًا يسلس له معه القول، ويطرد فيه المعنى، فيبني شعره على وزن يحتمل أن يُحشى بما يحتاج إلى اقتصاصه بزيادة من الكلام يخلط به، أو تقصٍّ يُحذف منه، وتكون الزيادة والنُّقصان يسيرين غير مخدجين لما يستعان فيه بهما، وتكون الألفاظ المزيدة غَيْرَ خارجة من جنس ما يقتضيه، بل تكون مؤيدة له، وزائدة في رونقه وحسنه"كما ورد ذلك عند ابن طباطبا حين قال بالسرد الشعري وقد ضرب لذلك مثلا قول الاعشى:
كُنْ كَالَسَّمَوْءَلِ إذْ طَافَ الهُمَامُ بِهِ فِي جَحْفَلٍ كَزُهَاءِ اللَّيْلِ جَرَّارِ
بَالْأَبْلَقِ الفَرْدِ مِنْ تَيْمَاءَ مَنْزِلُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ وَجَارٌ غَيْرُ غَدَّارِ
وجيهانه في المقطع اعلاه تشير لسردية شعرية جميلة التزمت من خلالها بضوابط السرد المقنن الذي لا يخرج عن قاعدة السردية الشعرية." يهدأ الليل ... يعود السكون ..." وهنا يمكن القول أن الشاعرة تعاملت بذكاء في هذا الموضع الحيوي من نصوصها.
التساؤل في نصوص جيهانة :
من الصيغ البلاغية أن يضع الشاعر عنونة لنصوصه بصيغة التساؤل وقد اوردت الشاعرة عدة اسئلة كمستهلات منها (ما بال العيون؟) وكأن الشاعرة تضع المتلقي أمام فضاء من الانتظار الشفاف لمواصلة التعرف على الإجابة ولكن بأسلوب سردي شيق يدل على قدرة الشاعرة على كسب المتلقي من خلال عنصر التشويق الكامن في الإجابة والذي يشكل العنصر المجهول في النص فيصر على القراءة لمعرفة ذلك المجهول (ما بال العيون) بصيغة الإطلاق فلا يمكن إدراك أي عيون هي المقصودة ما لم تتم متابعة النص بتفصيلاته والمقطع المشار إليه يعبر عن حالة الطبيعة وسمة الليل المغايرة تماما للنهار الضاج بالحركة والصخب (يهدأ الليل) وصف به مستهل سردي فبعد هذه الجملة المتلقي بحاجة لما بعد هذا الرجوع وهو (عودة السكون) وهنا المفارقة والإدهاش المتحقق في المقطع الثالث الذي يعبر عن حالة غير طبيعية وهي (القمر وما يعتريه من ثورة) والعدول عن طبيعته المقرونة والسؤال هو من اثأر الإبهار في الجملة الشعرية (ما باله القمر) فضلا عن جعل السرد ضربا فنون اللغة وفي المقطع الآخر يتحقق الإدهاش الفعلي حين يكون القمر يهيئ لحفلة تنكرية .
وعلى أية حال فإن مجموعة " بانتظارك " للشاعرة جيهانة تعد الخطوة الأولى في مجال التحديث الشعري النسوي والذي آمل أن تتبعها خطوات واثقة أخرى لاغناء المشهد الشعري العربي وإضفاء الجمال مقرونا بالجرأة المنضبطة .

هوامش:
*جيهانه سبيتي شاعرة لبنانية من
المصدر :
1- المجموعة الشعرية الموسومة "بانتظارك" ، جيهان سبيتي ، ط1 ، دار الفارابي ، 2018.

Back to Top